الشباب في القرآن (19): ابراهيم الفتى يبهت الذي حاجّه في ربه

بسم الله، والحمد لله، وصلاة وسلام منه على محمد رسول الله، وعلى آله وصحبه والأنبياء والمرسلين من قبله، وعلى من اتبعهم على الملة؛ وبعد:

السلام على المستمعين ومرحباً بهم وبالشباب أجمعين:

ها نحن اليوم نعود إلى الفتى إبراهيم؛ قد تقولون كيف تحدثنا عن إبراهيم في برنامجٍ يخص الشباب وإبراهيم من الشيوخ بدليل أن زوجته تقول حينما بشرها الملائكة بإسحاق: “وهذا بعلي شيخاً”.

لكنا نرد ونقول: إن ما سنحكيه عن إبراهيم اليوم كان في مرحلة الشباب، قبل أن يهاجر وقبل أن ينال البنين من ربه الوهاب، فإنه لم يوهب ذلك إلا وقد شاب، ولهذا فهو يقول:

(الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ(39))[سورة إبراهيم].

وهكذا سنبدأ اليوم مع إبراهيم الفتى، الذي قاوم الجهل والغباء، بعلمٍ من الله وهدى.

ها نحن أولاء نرى إبراهيم الفتى وقد أصبح ينشر علمه الذي من ربه له أتى، ويقول إن ربه هو رب السماوات العلى، وأن أباه وقومه وكل الملأ، في ضلالٍ وعمى.

وهنا يُدعى إبراهيم إلى الطاغية (النمرود) ليسأل إبراهيم عن علمه الجديد الذي يعلن فيه لنفسه رباً غير رب النمرود، ويتخذه إبراهيم لنفسه وحده هو المعبود، إن هذا الأمر يتجاوز الحدود، وها هو إبراهيم يحضر ثابت القلب والضمير، ويقف نداً للطاغية المغرور، ويبدأ الحِجاجُ بين الفتى المستنير، وبين الكافر المغرور.

ومن العجيب أن يُقابل الطغاة العلم الجديد المنير بالانزعاج، وأن يواجه الغافلون الجيل المجدد بالمراء واللجاج، ولكن هذا شأن كل طاغيةٍ فاسد المزاج، ولهذا تبدأ الآية بأسلوب التعجب، وتبدأ الحكاية:

(أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ..).

فلقد حاول أن يثير الحجاج بينه وبين إبراهيم، بسبب أن إبراهيم أُوتي من الله الملك أي: العلم، وهذا هو التفسير الصحيح للآية، لأن الناس لا يحاجون أحداً إلا إذا كان لديه علمٌ جديد، والعلم الجديد الذي آتاه الله لإبراهيم هو معرفة ربه وترك سواه، وهكذا كان أول قول إبراهيم في الآية هو:

(..إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّي الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ..).

نعم هكذا عرف ربه إبراهيم بأنه الذي يحيي ويميت، وإذا كان هو الذي يحيي فإنه يحفظ ويرزق ما أحياه، وهو المدبر والمقدر والعليم بما يراه، ثم إنه يحيي كل شيءٍ فلا حياة لشجر ولا لطير ولا لماء ولا لنور ولا لإنسان ولا لجان ولا لملائكة ولا لأحد إلا بالله فهو يحيي كل شيءٍ حي، وهو يخرج الحي من الميت، وهو المخرج الميت من الحي، وهو على كل شيءٍ قدير، وهو بكل شيءٍ عليم، فمن يحيي الحبة في أعماق التراب، ويحفظ الذرة في آفاق السماء، هو العليم بكل شيءٍ ظاهر وخفي، ثم إذا كان هو الذي يحيي كما عرفنا معنى يُحيي، فهو الذي يميت، فكل ما يذبل ويجف، وكل ما يسقط ويخف، وكل ما يتلاشى ويختفي من شجرٍ أو ثمرٍ أو حجرٍ أو نورٍ أو نجومٍ أو حيوانٍ يدب أو يطير أو يسبح في الماء، كل هؤلاء هو الذي يميتهم، وبعلمه وتقديره يعلم متى تنتهي مدة حياتهم، وإلى أين سيذهب رفاتهم، وكيف ستتحول ذرات أجسادهم، ولهذا فإنه يستطيع أن يعيدهم إلى يوم الحساب، فهو المبدئ المعيد، وهو الفعال لما يريد، وهكذا عرف إبراهيم ربه، فلنعد الآية:

(..إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّي الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ..).

إنه تعريفٌ شاملٌ موجز، وكاملٌ معجز. ولو شرحناه أكثر لطال المقام، ولكنا اكتفينا بما يناسب الأفهام، وبهذا كان إبراهيم هو الفتى الذي علمه الله العلم الحقيقي، وهو الشاب الذي عرف الطريق إلى ربه وأراه الله ملكوت السماوات والأرض فكان من الموقنين، ولنعد إلى موضوع الحجاج بين إبراهيم والطاغية، ويعود الطاغية للحجاج واللجاج مع إبراهيم؛

(..قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ..)، هكذا ادعى الطاغية، يريد أنه يقتل الناس الأبرياء، ويعفو عن السجناء الذين حكم عليهم ظلماً بالموت، وهذا هو شأن طاغيةٍ لا يعرف الله ولا يأبه بعباد الله، فهو في سبيل حكمه يقتل ويسفك ويدمر ويهلك، ولا يهمه من ذلك إلا أن يستمر في الهتك والفتك، وهذا القول منه انطلى على الضعفاء لكن إبراهيم الفتى يفحمه ويلجمه فيقول:

(..قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنْ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنْ الْمَغْرِبِ..).

ها هي الحياة والموت تتجلى بشكلٍ أوضح وأظهر لكل ذي عينٍ وعقل، فإن المحيي المميت هو الذي يظهر الشمس كل يوم حيةً نابضة، ويميتها كل يوم عند الغروب، وبهذا يهدأ كل شيءٍ، ويسكن بعد أن كان متحركاً حياً نابضاً، فهو يتوفى الأنفس كلها في ظل المساء، ويبعثها كلها عند الصباح، ومع ذلك فإن نظام الشمس الذي وضعه الله هو الشروق من الشرق، فليأت بها الطاغية من الغرب إذا كان يدعي أنه يحيي ويميت.

وهنا يُلجم الطاغية ويُفحم، ويعرف الناس أنه لا يفهم، وأن إبراهيم الفتى هو العلامة الذي يعرف الله وبنوره يتكلم.

وأمام هذا العلم الرباني المتدفق من إبراهيم الفتى ماذا حدث؟

(..فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ..).

نعم، بهت وسكت، وعلم الناس أنه جاهلٌ أعمى، وأنه على الطريق العوجاء، ولهذا خُتمت الآية بقوله تعالى:

(..وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ(258))[سورة البقرة].

فكيف يهتدي من لم يجعل الله له نورا؟، كيف يهتدي من جعل الله صدره ضيقاً حرجاً؟، لكن الهدى يزيده الله لمن آمن به واتجه إليه، وهكذا كان الفتى إبراهيم متجهاً إلى ربه يبحث عن الحقيقة فهداه الله وزاده إيماناً وهدى، وجعله من الموقنين العلماء؛ (..إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ ..(28))[سورة فاطر].

فلتكونوا أيها الشباب مقتدين بهذا الفتى الذي جعله الله للناس إماماً، والسلام عليكم ورحمة الله. 

اترك تعليقك

Post Navigation

%d مدونون معجبون بهذه: