الحلقة السادسة والثلاثون: ملكة سبأ وخطاب سليمان

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله محمد وعلى آله وصحبه، ومن سبقه من الأنبياء والمرسلين، آمين؛ وبعد:

هذا هو الهدهد يسمعه سليمان الحاكم الملك الشاب، يسمعه حتى النهاية وهو يحكي ما وجده في مملكة سبأ، وقد عرفنا ذلك في حلقة أمس وما سبقها، ولسنا بحاجة إلى العودة إليها اليوم.

لكنا اليوم نؤكد أن كلام الهدهد عن مملكة سبأ، قد بدأ بقوله:

(إِنِّي وَجَدتُّ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ(23))[سورة النمل].

وانتهى بقوله:

(وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ..) أما ما بعد ذلك فهو: (..وَزَيَّنَ لَهُمْ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنْ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ(24)أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ(25)اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ(26))[سورة النمل].

هذا كله من كلام الله، والله عادةً في القرآن يوصل كلام عباده الصالحين بكلامه، ويتم ما بدأوا ليبين لنا أن ما يقوله العبد مخلصاً لله صادقاً فالله معه بل هو لسانه الذي يتحدث به وعينه التي يرى بها، ويده التي يضرب بها، ورجله التي يسعى بها، أليس كل ذلك في طاعة الله؟!؛ فالله معه يحمي ويهدي، ويعين ويُنطِق، ويحق الحق بكلماته، وهكذا كان الهدهد صادقاً، وجاء من سبأ بنبأٍ يقين، فكان سليمان له من السامعين، المصغين بصبرٍ ويقين. لكنه بعد أن أكمل الكلام عاد سليمان ليتأكد من النبأ بالنظر لا بالخبر، مع علمه أن الهدهد قد قال اليقين؛ لكن سليمان وجنوده الشباب من الباحثين الذين خرجوا للبحث والسياحة العلمية لا للسياحة العبثية، وبهذا فإن سليمان يعقب كلام الهدهد الطويل بالصمت، ثم ماذا؟.

(قَالَ سَنَنظُرُ..

سننظر، نعم؛ فالنظر هو المهم، وهو البحث العملي الذي يجعلك تقف على عين اليقين، لا علم اليقين، فعين اليقين أكثر دقة؛ نعم؛

(..سَنَنظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنتَ مِنْ الْكَاذِبِينَ(27))[سورة النمل].

إن سليمان لا يشك في هذا الجندي من جنوده، ولكنه ربما توهم أن الهدهد قد اشتبه عليه الأمر، وتصور أن القوم شاردون في السجود للشمس فهم لا يهتدون، فأراد سليمان أن يجس النبض ويدعوهم إلى الهدى والإسلام، فقال:

(اذْهَب بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهِ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ(28))[سورة النمل].

إن سليمان سينظر ماذا سيكون رد فعل دعوته لدى سبأ، ولقد أرسل الهدهد مرة أخرى وأمره أن يلقي الكتاب ويرجع، ولا بد أن يأتي منهم الجواب.

ها نحن الآن في قصر الملكة، وها نحن الآن في مجلسها وهي تتصدر القاعة بوجهٍ قويٍّ فتيٍّ فتان، وبقلبٍ ذكيٍّ زكيٍّ ثابت الجنان، إن قوتها وشبابها يجذب إليها الأنظار، وإن ذكاءها وعزمها يجذب إليها القلوب، وإن حزمها وزكاءها يجذب إليها القوى والبأس، ورغم ذلك فهي لا تبادر إلى القوة، ولا تفتخر بالملك، ولا تتهور ولا تدعي، ولا تسخر ولا تستهزئ، بل تحترم الآخرين، ولو قبل معرفتهم، وتعرف حق الناس قبل أن يعرفوها؛ ولهذا فلقد قرأت الكتاب من سليمان وهي لم تعرفه، ولكن اسمعوا كيف تصفه للملأ الذين جمعتهم إليها لتقرأ الكتاب، ليؤكد أنها على احترامٍ لقومها واحترامٍ للناس..

ها هي تُلقي الخبر بعقلٍ واتزان، وعدلٍ وإحسان؛

(قَالَتْ يَاأَيُّهَا المَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ(29)) [سورة النمل].

إنها تصف الكتاب بأنه كريم، ألم أقل لكم أنها لم تسخر ولم تفخر، ولم تستهزئ ولم تستكبر، بل تأملت وتفكرت، واجتمعت بالقوم وقدمت الموضوع بشكلٍ محترمٍ جميل (كِتَابٌ كَرِيمٌ).. ثم ماذا؟.

(إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ..)، من سليمان لا شك أنه معروفٌ موصوفٌ بالخيرية والعدل والإحسان، فما دام الكتاب منه فإنه كريمٌ بلا شك.. ثم ماذا؟.

(..وَإِنَّهُ..).. استمعوا.. إن ما يلي هذا هو نص الكتاب فاستمعوا النص:

(..بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ(30)أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ(31))[سورة النمل].

ثلاث جملٍ مفيدة.. البسملة، والأمر بعدم العلو.. والطلب بالإسلام، فقط.

وهذا أمرٌ عظيم، عند ملكة لها عرشٌ عظيم؛ فلا بد من قرارٍ فيه تتخذه الأمة كاملة، إنه تحولٌ من دينٍ إلى دين، فلا بد أن يقرر الجميع هذا الطريق باقتناع، ولا بد أن يتخذوا من الوسائل ما يجعلهم على يقينٍ بأن دعوة سليمان ليس لها أطماع، فكيف ستعرف ذلك، هذا ما سنعرفه في الحلقة القادمة. والسلام عليكم ورحمة الله.




اترك تعليقك

Post Navigation

%d مدونون معجبون بهذه: