الحلقة السابعة والثلاثون : ملكة سبأ وخطاب سليمان 2

بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على رسوله محمد الأمين، وعلى آله وصحبه، ومن سبقه من الأنبياء والمرسلين، آمين؛ وبعد:

السلام على المستمعين؛ ومرحباً بالشباب إلى حلقة اليوم؛

تركنا أمس ملكة سبأ وهي تقرأ على الملأ كتاب سليمان ونصه:

(..بِِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ(30)أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ(31))[سورة النمل].

ثلاث جملٍ، ولكنها تعكس حياة هؤلاء الناس، وتقلبها رأساً على عقب، وتحولهم من نقطةٍ إلى نقطةٍ معاكسةٍ بعيدةٍ عما هم فيه؛ ولكن الملكة أدركت أن ما يدعو إليه سليمان هو الذي يتفق مع العقل، ولهذا وصفت كتابه بالكريم، فجمعت الملأ لتطرح عليهم النبأ، فأخبرتهم بالكتاب، وأعلمتهم أنه طلبٌ يستحق الجواب، وأن الجواب يحتاج إلى قرار، وأن القرار يحتاج إلى ائتمار، لينظر الملأ في الأمر باستبصار، ولهذا عرضت عليهم الأمر؛

(قَالَتْ يَاأَيُّهَا المَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ (32))[سورة النمل].

(يَا أَيُّهَا المَلَأُ)؛ إن النداء يدل على أن الملأ كثير، وعلى أن منهم من يستحق التنبيه والتذكير، فهم لا يدركون أهمية هذا الطلب الكبير، وهو أمرٌ يستحق الإفتاء والتفكير، ولهذا طلبت الملكة الشابة الإفتاء؛

(أَفْتُونِي فِي أَمْرِي)، أنتم كبار القوم، وأنتم وجهاء البلاد، وأنتم رجال العقل والحل فأفتوني، أفتوني في هذا الأمر الذي أحمله وأنا مسئولةٌ عنه، فلا بد من جوابٍ أُعيده إلى سليمان، ولا بد أن يكون مبنياً على قرارٍ ولا أقطع فيه وحدي أبداً؛

(مَا كُنتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ)؛ أنتم معودون معي على أني لا أقطع ولا أبتُّ في أمرٍ حتى تكونوا شاهدين وموافقين عليه، وهذا أدعى للاطمئنان؛ لأنه حينما يوافق الشعب على قرارٍ ما، ويشهد أسبابه ومؤثراته ونتائجه، ثم يقرر بما يواجهه؛ فإنه في هذه الحالة يكون صاحب القرار هو، وهو المسئول عن تنفيذه والمتحمس له، فلا يتكاسل ولا يخذل المسئولين، ولا يكون تجاوبه إلا إيجابياً، لكنه حينما لا يشهد ولا يُستشار، ولا يُقرر ولا يدري من اتخذ القرار، فإنه قد يقبل ولكن على مضض، وقد يُؤيِّد ولكن تأييدٌ سلبيٌّ، لا يتحمل مسئولية، ولا يدافع عن قضية، ولا يبذل جهداً، ولا يشد عزماً، بل يتفرج ويرى النهاية، فإن طابت أخذ الثمار، وإن خبثت عاد على صاحب القرار باللوم الخفي وبالإظهار، فإذا الشعب كله في تذمرٍ وهمس، وهمزٍ ولمز، وتصبح البلاد مجالاً للاضطراب، وسخطاً للشباب، فلا مسئول يُحترم، ولا مواطن يحترم، فلا يصان عرض، ولا تحفظ أرض، والكل له غرض، وهذا ما تخوفته ملكة سبأ الشابة، لتضرب المثل للشباب بأن يكون قرارهم معتمداً على الحوار، وأن لا يقطعوا أمراً من الأمور الهامة والصغيرة إلا بعد الاشتوار، وبعد أن يشهد الجمع الكبير على القرار.

وها هنا نجد الجمع الشبابي يعلن للملكة موقفه ويُظهر أنه مستعدٌ لكل احتمال، هل لسليمان أطماع؟، أم أن دعوته فيها إقناع؟.

للاحتمال الأول قال الملأ، فكان جوابهم:

(قَالُوا نَحْنُ أُوْلُوا قُوَّةٍ وَأُولُوا بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ(33))[سورة النمل]. القوة مستعدةٌ لدفع الخطر، والبأس جاهزٌ لصد البأس، ولكن إذا رأيتِ أمراً يصرف الصراع فافعلي.

إن المرأة حكيمةٌ وزكيةٌ وذكية، هل اعتمدت على القوة وصدقت الاستعراض؟. كلا.

فماذا عملت؟، وبماذا أمرت حتى تجنب البلاد الصراع؟!

هذا ما سنعرفه غداً بإذن الله، والسلام عليكم ورحمة الله.




اترك تعليقك

Post Navigation

%d مدونون معجبون بهذه: