الحلقة الثامنة والثلاثون: ملكة سبأ وخطاب سليمان 3

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله محمد وعلى آله وصحبه، وعلى الأنبياء والمرسلين من قبله، آمين؛ وبعد:

السلام على المستمعين ورحمة الله؛

إن الشباب هم القوة، وهم الدرع للأمة، وها هي ملكة سبأ تعرض كتاب سليمان على الملأ القوي من الشباب، وتقرأ عليهم الكتاب، فإذا هو دعوةٌ لله وللإسلام؛

(..بِِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ(30)أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ(31))[سورة النمل]. ورغم ذلك فإنها تعرض الموضوع عليهم لتحرر الجواب، وتستفتي القوم لترد على سليمان بما تراه الصواب؛ هي لا تريد أن يُلجأ إلى القوة إلا عند الحاجة، ولا تريد المواجهة العسكرية إلا إذا كان في الأمر ما يدعو إليها؛ أما لو تعالجت الأمور بالطرق العقلية فهو أولى، ولهذا فإنها حين استفتتهم كانت تريد أن يشهدوا ويعرفوا كيف ستُصرف الأمور؛

(قَالَتْ يَاأَيُّهَا المَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ (32))[سورة النمل].

فهي لا تقطع في أمرٍ حتى يكونوا هم شركاء في القرار ليتحمل الجميع المسئولية، وليكون الجميع على حماسٍ في التنفيذ وبلا ترددٍ وسلبية؛ وها هم القوم يعلنون موقفهم:

(قَالُوا نَحْنُ أُوْلُوا قُوَّةٍ وَأُولُوا بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ(33))[سورة النمل].

إنهم جاهزون لأي طارئٍ عسكري، فالقوة والبأس شأنهم في كل حال، لأنهم شبابٌ ورجال؛ لكن القوة لا تعني شيئاً بدون رأيٍ وحكمة؛ ولهذا قال المتنبي:

الرأي قبل شجاعة الشجعان          هـو أولٌ وهي المحـل الثاني

فإذا هما اجتمعا لنفسٍ حرةٍ             بلغت من العلياء كل مكـان

ولقد أعاد القوم الأمر إليها والحكمة لها؛ (فَانظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ)؟.

إن الملكة هي صاحبة الرأي، وهم أهل القوة والبأس والشجاعة، وإنها لتدخر قوتهم للوقت المناسب، ولكنها الآن ستدبر أمراً آخر يدل على الحكمة والروية!! إن كان سليمان يريد المال والدنيا والهدايا والمتاع، فهو ملكٌ طموع، وعلينا مواجهته بالقوة والجموع، وإن كان يريد بدعوته الحق والسلام والدين لله والإسلام، ويرغب عن المال والمتاع فإنه رسول حق، واتباعه واجبٌ وله الاحترام، ولكن كيف تعرف الملكة هذا؟! كيف يتضح لها أحد الأمرين؟!

ها هي تهتدي إلى الحل، وعلى ضوئه سترسل الجواب على سليمان؛

(قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ(34))[سورة النمل].

هذه هي عادة الطغاة الطامعين في الأوطان، المستغلين الثروات، والمستبدين في الشعوب، وما هؤلاء الملوك إلا المحبون للدنيا، الطامعون في الثراء، وهؤلاء يجب مقاومتهم بكل قوةٍ وبأس، وردهم عن الأوطان بكل شجاعةٍ واستبسال، وعليه؛ فلا بد أن تعرف الملكة موقف سليمان من المال؛

(وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ(35))[سورة النمل].

إنها والله لخبيرةٌ بصيرة، وإنها لشابةٌ بالحكم جديرة، فلقد اختارت أنفَس الهدايا والمتاع، وأجمل الدرر المتعدد الأنواع، فأرسلتها إلى سليمان هدية، وأعلنت أنها مُرسَلَةٌ عن رغبةٍ واقتناع؛ لنرى ماذا سيكون موقف سليمان؟! فهل فرح بالمال؟.كلا؛ بل كان رده:-

(..قَالَ أَتُمِدُّونَنِي بِمَالٍ فَمَا آتَانِي اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتَاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ(36))[سورة النمل].

لقد رفض الهدية والمال، وأصر على الدعوة للإسلام، وعلى الاستجابة لله، ورد الرسول؛

(ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لَا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْهَا أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ(37))[سورة النمل].

إن سليمان أظهر أن همه وهمته هو الدعوة إلى الله، وعليه؛ فإن هذه الهدايا تعتبر رشوة له ليسكت عن الدعوة، ولهذا غضب وقال أنه سيأتيهم بجنود لا قبل لهم بها؛ إنها الجن والإنس والطير، وما لا يعلمه إلا الله من القوى، فلا قبل لسبأ بها ولو كان أهلها أولي قوةٍ وبأس؛ لأن جنود الله أقوى؛ وعليه: فإن الذل سيلحق بسبأ لو قاومت جنود سليمان، وهو لا يريد الإذلال، ولكنه يريد لهم العلو والإسلام لذي الجلال؛ وعلى هذا الفهم عاد الرسول إلى الملكة، وبهذا الجواب عرفت ملكة سبأ أن سليمان يدعو إلى الحق، وأنه لا يريد المال ولا الاستغلال للشعوب ولا إذلال أهلها ولا إخراجهم، وإنما يريد هدايتهم إلى الله ربهم؛ فماذا كان رد الملكة وموقفها؟!

هذا ما سنعرفه في الحلقة القادمة.

اترك تعليقك

Post Navigation

%d مدونون معجبون بهذه: