الحلقة الثانية والأربعون: يوسف الصديق (1)

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسوله خاتم النبيين وعلى من سبقه منهم؛ آمين؛ وبعد:

السلام على المستمعين الكرام، ومرحباً بهم وبالشباب، وأهلا بهم على الدوام؛ ثم ماذا نقول؟، وأين نتجه اليوم؟.

لقد كانت رحلتنا مع سليمان الشاب الذكي، والعالم الفتي، ومع جنده القوي، كانت حافلةً بالأنموذج الشبابي الرفيع، وبالعبر النيرة لكل متابعٍ مستمع، ولقد احترنا إلى أين نتجه بعد سليمان!! ولكن بعد تأملٍ وإمعانٍ اخترنا الاتجاه إلى مقام يعقوب ابن إسحاق بن إبراهيم عليهم السلام، قد تقولون: وهل يعقوب من الشباب؟.

وأقول: نعم، لا شك أن كل أبٍ كان فتي الأبوة شاباً بل كان مع أوائل الأبوة من الشبان، فالشباب مرحلةٌ يمر بها كل إنسان، بل وكل حيوان، ولكن رغم ذلك فإن يعقوب اليوم وفي الحلقات التالية لن يكون من الشباب ولكنه سيكون أباً للشباب، والمربي الصالح لأبنائه بصبرٍ يدعو للإعجاب، أليس يعقوب هو الأب الذي أنجب يوسف عليه السلام مع إخوته الكرام، لقد كان عددهم أحد عشر شاباً كالنجوم، وكان يوسف هو النجم الثاني عشر الذي كان له فيهم ومعهم خبرٌ ونبأٌ معروفٌ مشهورٌ مذكورٌ مدى الزمان، بل لقد استحوذ خبره على سورةٍ كاملةٍ من القرآن، وانفرد بها يوسف وإخوته، وانفردت بهم دون غيرها من السور، ودون غيرهم من الأنبياء الذين توزعت أخبارهم في عددٍ من السور.

إذن فهيا معاً إلى يوسف وإخوته، وهيا معاً إلى استقراء آيات سورته؛ إن الشباب هناك له دورٌ هامٌّ وبارزٌ، وإن نماذجه هناك لمتعدد الجوانب، ومتنوع السلوك والأعمال، ومتشابك الطموح والآمال.

لعل الشباب على شوقٍ للانطلاق إلى يوسف وإخوته، وأنا معكم لعلى شوقٍ إليه ولصحبته، وكيف لا نشتاق والله قد بدأ القصة بمقدمة رائعة البيان فقال:

(نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنْ الْغَافِلِينَ(3))[سورة يوسف].

بل الله قبل هذه الآية يقول عن هذا القرآن:

(الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ(1)إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ(2))[سورة يوسف].

فالقصص في القرآن هو أحسن القصص، وهو في سورة يوسف قمةٌ في الإحسان، ثم إن البيان في القرآن له سرٌ بسببٍ غير خفي، ذلك أنه بلسانٍ عربي، إن اللسان هنا المراد به اللغة العربية؛ فاللغة العربية فيها من الأسرار والإتقان، وفيها من أساليب البيان ما يجعل منه كلام بها واضح البرهان، يعقله بسهولةٍ كل إنسان، ولهذا اختار الله هذه اللغة العربية، وهذا اللسان العربي المبين، لينزل بها القرآن. لقد اختارها للقرآن لسببٍ هام، هو قوله: (لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ).

والله حينما يعلل الاختيار بهذه العلة فإنما هو يؤكد أن العربية هي اللسان المبين الذي يستطيع به المتحدث أن يبلغ ما يريد، بأسلوبٍ فريد، وبكلامٍ واضحٍ لا يخفى، وفصيحٍ لا يُعيى، فمن سمعه صار بصيراً، ومن تدبره تعلم علماً كثيراً، واهتدى طريقاً منيراً. وإن شهادة الله بأن اللسان العربي المبين، هو الطريق لبلاغ العالمين، والوسيلة لخطاب الثقلين، إن شهادة الله هذه تكفي، بل وتدعو كل شابٍّ أن يهتم بلغته ويتقنها، وأن يحرص على فهم أسرارها وبيانها. فإن ذلك هو الطريق لمعرفة علم الله الذي أودعه في القرآن، وهو السبيل إلى تنمية العقل الذي تميز به الإنسان، فهيا معاً على طريق القرآن، نتدبره بفهمٍ وإمعان، ونتذكر آياته العربية اللسان، الناصعة البيان، هيا معاً أيها الشباب، فإنما يتذكر أولوا الألباب.

بهذا نكتفي اليوم ونقف، وغداً ندق أبواب قصة يوسف؛ فإلى اللقاء غداً بإذن الله، والسلام عليكم ورحمة الله.




اترك تعليقك

Post Navigation

%d مدونون معجبون بهذه: