الْمُــلْك

 هذه هي المفردة التي ربما تثير كثيراً من التساؤلات والاعتراض أو التردد أمام قبول ما سأقول.

ذلك أن الناس اعتادوا على فهمها بالمفهوم الذي ألفوه وهو أ ن الملك يعني القيادة أو السيطرة والحكم للناس أو الاستيلاء في الأمارة، وهذا هو المفهوم الذي درج عليه الناس وفهموه ولكن هل هذا المفهوم صحيح في القرآن؟! وهل المراد بكلمة (ملك) أو (المُلك) بضم الميم في القرآن هذه المعاني المذكورة؟

وهل المراد (بملك) بكسر اللام وبملوك جمع ملك أيضاً هذا المفهوم؟.

لن أقطع معكم بقرار ولا برأي إلا بعد استعراض بعض الآيات التي وردت فيها هذه الكلمة وهذه الكلمات.

وكذلك بعد أن نعرف معاني الآيات ومدلولها ونعرف ماذا يفيده السياق فيها من المعاني فهل يؤكد المفهوم المعروف للناس؟ أم أن لها معنى آخر لا يعرفه الناس؟

 تعالوا معي إلى قوله تعالى: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنْ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلاءِ أَهْدَى مِنْ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلا) [النساء:51].

إذن فاليهود الذين كان العرب الجاهليون يظنونهم أهل علم وكتاب قد أفتوا بهذه الفتوى العجيبة وأكدوا ان الكفار أهدى أي أكثر هدىً من المؤمنين.

وهذا افتراء وكذب مع علمهم أن هذا القول افتراء وكذب.

إذن فهم لا يعملون بعلمهم ولا يتقون الله فيما آتاهم من الكتاب، ومع ذلك يزكون أنفسهم، وكفى به إثماً مبيناً.

فهم في الإثم غارقون، وفي الافتراء يعمهون.

وهكذا يعلن الله عليهم استحقاقهم للّعن فيقول عقب ذلك: (أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمْ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنْ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا) [النساء:52]. (أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنْ الْمُلْكِ) نعم (مِنْ الْمُلْكِ) فماذا تعني كلمة ملك؟

إنها تعني: هل يدعون أن لهم نصيباً من العلم والمعرفة بآيات الله؟

إذا كان هذا هو دعواهم وزعمهم فأين هذا العلم؟ ولماذا لا يؤتون الناس منه كما أنزله الله؟

إنهم لا يظهرون ما آتاهم الله بل ينبذونه وراء ظهورهم ويكتمونه ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون.

ولهذا ختم الآية بقوله:

(فَإِذًا لا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا)

أي إذا كانوا يزعمون أن لهم نصيباً من الملك ومع ذلك يفتون بهذه الفتوى المخالفة لكل مظاهر العلم؛ فإنهم والحال هذه لا يمكن أن يؤتوا الناس من العلم الذي لديهم شيئاً ولا حتى ما يساوي النقير، والنقير هو النقطة الصغيرة التي تعلوا رأس نواة التمر.

فهم يكتمون العلم ويخفونه عن الناس وهم يعرفونه كما يعرفون أبناءهم، وهكذا جاء عنهم في سورة البقرة ما يؤكد هذا وهو أنهم يمنعون بعضهم عن تحديث الناس بما لديهم، فقال الله: (وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَفَلا تَعْقِلُونَ * أَوَلا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ) [البقرة:76-77].

وهم يظنون بهذا أنهم بمنجاة من الله لكن الله يرد عليهم بقوله:

(وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلا يَظُنُّونَ * فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ) [البقرة:78-79].

ومثل هذه الآيات جاءت في سورة آل عمران في الآيات: [71و72و73]، وقد جاء فيها قوله تعالى عنهم:

(وَلا تُؤْمِنُوا إِلا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ)

 هكذا قالوا ولكن الله يرد عليهم (قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ) فليس ما عندكم هو الهدى ولكن الهدى الحق هو هدى الله الذي يتلقاه محمد ثم يعود لحكاية قولهم لبعضهم وهو قولهم:

(أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ)

فيرد الله عليهم في ختام الآية بقوله:

(قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) [آل عمران: 73].

لا تؤاخذوني على هذا الاستطراد فذلك أمر ضروري دعت إليه القضية وهي قضية إخفاء اليهود للعلم الذي لديهم فهم لا يؤتون الناس من الملك نقيراً.

وهنا نعود إلى سياق آيات النساء فيقول الله بعدئذٍ عنهم:

(أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمْ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ) [النساء:54].

يعني أنهم يحسدون المسلمين على ما آتاهم الله من الملك (العلم) الذي أنزله على رسوله محمد في القرآن، هل يحسدونهم على هذا الفضل الذي آتاهم الله؟

ثم وما داموا يعلمون أنه علم وفضل فإن الواجب عليهم أن يتبعوا لا أن يحسدوا ولكن لا عجب فهذا هو ديدن اليهود وهذا شأنهم مع كل علم يأتي من الله على رسله إنهم يكذبون به وعنه يصدون ولا يتبعون إلا الذين يفترون، ولهذا قال الله في ختام الآية محتجاً عليهم ومسجلاً عنهم هذا الشأن الدائم:

(فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا)[النساء: 54].

أسمعتم ماذا آتاهم. . بماذا ختمت الآية؟ (مُلْكًا عَظِيمًا) فماذا يعني بالملك يا ترى؟

تعالوا معي نتأمل ونتدبر.

نتأمل نهاية الآية وبدايتها للتعرف أن القضية المثارة هنا هي قضية علم وكتاب وهل في الكتاب غير العلم ولكن اليهود لا يعملون بالكتاب ولا يتبعون العلم.

إذا كانوا ممن يتبع العلم ويدعي أن له نصيباً من الملك ويزعم أنه مختص بهذا الفضل من الله؛ فلماذا لم يتبعوا إبراهيم وآل إبراهيم وهم يدعون أنهم أبنائه وحملة دينه؟

فقد أوتي هؤلاء من الله الكتاب والحكمة بل وأوتوا مع ذلك (مُلْكًا عَظِيمًا) واختصوا به سوى الناس فماذا كان موقف اليهود ؟ ها هو الله يسجل موقفهم من هذا الملك الذي هو العلم فيقول:

(فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا) [النساء:55].

فقد انقسموا فريقين فمنهم من آمن به ومنهم من صد عنه.

وهنا أسألكم، إلى أين يعود الضمير في “آمن به، وصد عنه”؟

إنه لا شك يعود إلى الملك الذي أوتيه آل إبراهيم، وهل الإيمان يكون بالملك بالمفهوم المتعارف عليه؟

وهل الصد يكون عن الملك بالمفهوم المعتاد لديكم؟

كلا لا يكون الإيمان إلا بالعلم ولا يكون الصد إلا عن العلم وهذا يؤكد أن المراد بالملك في الآيات هو العلم سواء في الآية 53 أو الآية 55.

ثم إني أسأل من ذا من آل إبراهيم أوتي الملك بالمفهوم المتعارف عليه؟

قد تقولون أوتيه يوسف وأوتيه داوود وسليمان.

لكني أقول لكم لا تتعجلوا فإني سأوضح لكم كيف تفهم المراد بما جاء من الآيات عن هؤلاء ولكن بعد أن نعود إلى إبراهيم أولاً.

فأسألكم هل إبراهيم أوتي ملكاً بالمعنى المتعارف؟

لا شك أنكم تقولون لا لم يؤت ذلك.

ثم أسألكم هل إبراهيم عليه السلام أبو الأنبياء وإمامهم يدخل في هذه الآية أم لا يدخل؟

لا شك أنكم ستقولون أنه داخل فيهم فهو الرأس من الجسد وهو البداية والمنطلق لهذا العطاء الذي أوتيه ذريته وآله من بعده فالله يقول عنه:

(وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنْ الصَّالِحِينَ) [العنكبوت:26].

ويقول عنه في سورة البقرة:

(وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدْ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنْ الصَّالِحِينَ * إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ * وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَابَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمْ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) [البقرة:130-131].

ألا ترون أنه الأساس في هذا الملك وهذا العلم الذي أوتيه هو وآل إبراهيم؟

فهو إذن داخل فيهم وهو ممن أوتي (ملكاً عظيماً) فماذا نفهم من هذه الكلمة؟

إننا نعرف أن إبراهيم لم يعرف الملك بالمفهوم المتعارف.

فهل يمكن أن نفهم الآية في النساء على الملك المتعارف عليه؟ وهل يمكن أن يخبر الله بما لا يكون أو بما لم يكن؟

كلا، إذن فما المراد بالملك هنا؟

إنه لا شك العلم الذي أوتيه إبراهيم من ربه، فكان للناس إماماً وكان قدوة كل الأنبياء والرسل ويدعو إلى ملته كل امرأة ورجل في كل مكان وزمان.

ألم يقل لأبيه في سورة مريم:

(يَاأَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنْ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا) [مريم:43].

أسمعتم لقد جاءه علم لم يؤت أباه ولم يؤت سواه فهو مختص به وبه ربه اصطفاه.

إنه علم عظيم جعله يطلب من أبيه أن يتبعه ليهديه الصراط المستقيم. فما أعظمه من علم، وما أسماه، إنه من علم الله. وعليه: فإنه هو الملك العظيم لا سواه.

لنقرأ آية النساء من جديد لنخرج منها بشيء جديد وفهم مفيد بإذن الله المجيد.

(فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا)

ولنقرأ ما بعدها لننال المزيد من المقصود، عن جهل اليهود، (فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا) [النساء: 55].

وبعد فإني هنا أكون قد أخذتكم لطريق واضح إلى فهم للكلمة واضح، وإلى معنى جديد لديكم لكنه أصيل لو تدبرتم، وإن أرتم المزيد من البيان فلنعد إلى القرآن ولن نغادر إبراهيم عليه السلام حتى يتضح أن الملك لديه من البداية حتى الختام.

أليس هو للناس الإمام وهو الذي علمه الله دون الأنام، كيف يحيي الموتى ويجمع العظام.

ألم يريه الله ملكوت السماوات والأرض وليكون من الموقنين. إن هذا هو الملك الحق إنه معرفة الله مالك الملك الملك الحق واليقين بأنه له وحده العلم بالخلق وأن الملك له وحده في اليوم الحق، إن إبراهيم قد أيقن بهذا ومنه تحقق وتوثق. ولهذا كان في قراع وحجاج الطغاة المكذبين، لا يضعف ولا يلين، بل يعتصم برب العالمين. (الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ * وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ)

لقد كان علمه من ربه عظيماً، وعلمه بربه عظيماً، وكان يقينه بربه وثيقاً، وكان رشده من ربه حقيقاً.

ولهذا فإنه يقف أمام الأصنام محطماً ليحطم كل صنم في النفوس والقلوب، وكان حجاجه مع قومه هو الغالب لا المغلوب، وكان هو الآمن مما يخوفه القوم المشركون، وهم الخائفون لأنهم بغير الله يعتصمون.

(فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالآمْنِ) إنه إبراهيم بلا شك، وكيف لا والله يصدر حكماً حاسمًا في ذلك فيقول:

(الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمْ الآمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ) [الأنعام:82].

وعلى هذا لا عجب أن تكون النار برداً وسلاماً على إبراهيم، لأن معه ربه الله السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار العلي العظيم، الذي آتاه الملك العظيم.

ولأن إبراهيم صاحب علم ويقين، وملك من رب العالمين، فإن الحجاج يتواصل معه من القوم المشركين وها هو كبيرهم الطاغية اللعين يحاج إبراهيم في هذا العلم الذي جاءه من ربه العليم.

فلنسمع الحوار بينه وبين إبراهيم كما جاء في القرآن الكريم.

(أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ)

إنها دعوة من الله إلى كل عبد ذي لب ليتدبر هذا الحوار العجيب.

فها هو الطاغية يدعو إبراهيم إليه ليحاجه في العلم الذي أصبح يعلنه على الناس ويصر عليه.

إذن فأسباب المحاجة هي لأن إبراهيم عنده علم منير فأراد الطاغية أن يرده عن هذا الطريق المثير.

ولهذا يقول الله بعد ذلك معللاً هذا الحجاج:

(أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ) كثير من المفسرين يقولون بدون تدبر أن الضمير في (آتاه الله) يعود إلى الكافر الأثيم، فهل هذا صحيح؟

كلا إن الضمير يعود إلى إبراهيم الحليم الذي عنده علم عظيم فهو الذي آتاه الله الملك، وكان سبباً في الحجاج معه.

لأن الحجاج لا يكون إلا مع عالم أو مع رجل عنده شيء جديد لا يقبله المجتمع الغافل فهو يثير معه الجدال العنيد.

هذا أدل دليل على عودة الضمير إلى إبراهيم وهو دليل عقلي، ثم إن الضمير لا بد أن يعود عادة إلى الأقرب إليه وهذه قاعدة نحوية معروفة وإبراهيم في الآية هو الأقرب ذكراً من سواه ولنقرأها مرة ثانية، (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ)

إذاً فالضمير لا بد أن يعود إلى إبراهيم نحوياً ولغوياً وعقلياً ثم لنتأمل بعد ذلك سياق الآية.

لنجد أن الله يغفل ذكر الكافر المحاجج بالإسم.

ويكرر ذكر إبراهيم بالإسم مما يدل على أن المحور في الآية هو إبراهيم لأنه هو المحاور العليم.

 ولنقرأ بعد ذلك بقية الآية، (إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّي الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ)

وهذا جزء من العلم الذي لدى إبراهيم وهذا النوع من الملك الذي أوتيه فالله هو المحيي والمميت.

وإذا كان كذلك فهو الرب الذي يرزق وهو الذي يرجى ويدعى ويخشى وهو الذي إليه الرجعى وعليه الجزاء، وشتان بين جزاء من اتقى وجزاء من طغى.

لكن الكافر يلج في الحجاج بالباطل ويتطاول في الدعوى (قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ) وهو أسلوب يتقنه الطغاة أبداً ليغروا الناس الأغبياء ،والأتباع الجهلاء.

لكن إبراهيم العليم الذي عنده ملك عظيم لا ينهزم للمكر اللئيم، بل ينبري بحجة تبطل دعوى الكافر الجاهل الأثيم، وتنبه كل غافل أنها حجة لا تخفى على كل عاقل.

لنسمع إبراهيم: (قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنْ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنْ الْمَغْرِبِ)

إنها حجة تثبت ربوبية الله وتبطل دعوى كل أحد سواه وتفرده بالربوبية وتدفن كل الدعاوى الشركية، وهنا يقف أمامه الكافر والمدعي الماكر عاجزاً عن الرد ولهذا يقول الله (فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ)

وكيف لا يبهت وهو الجاهل الغبي والغافل المدعي، والضال الغوي إلى الطريق السوي لا يهتدي (وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) [ البقرة:258].

والآن وقد استعرضنا الآية الكريمة أرجو أنه قد بان واتضح لكم أن الملك هو العلم. وأن الذي آتاه الله الملك هو إبراهيم.

ولن أغادر البقرة حتى نعرج على آية أخرى في السورة تتحدث عن بني إسرائيل فعندهم كتاب من الله وفيه علم من الله ولكنهم نبذوه واتبعوا الهوى ولهذا لم يصدقوا بالرسول الذي جاء مصدقاً لما معهم من عند الله (وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ) [البقرة:101].

من المعروف أن كتاب الله هو العلم الذي ينزله على عباده ليهتدوا به إلى الحق والسلام.

ولكن هؤلاء القوم الذين أوتوا الكتاب فضلاً من الله نبذوا هذا الكتاب، كتاب الله وراء ظهورهم فأصبحوا بذلك السلوك كأنهم لا يعلمون، أو أنهم تجاهلوا ما أنزل عليهم مظهرين أنهم لا يعلمون، وكلا الحالين ضلال وخسران مبين.

وليس هذا فقط بل كذبوا بالرسول الذي جاء من عند الله مصدقاً لما معهم واستمروا في غيهم وباطلهم وجهلهم وتجاهلهم فهم كأنهم لا يعلمون.

وعلى هذا الحال العاطل أصبح هواهم هو الباطل، وهمهم هو العرض العاجل، فاتجهوا إلى أعمال لا تنفع في العاجل ولا الآجل، ذلك ما يوضحه الله في الآية التالية:

(وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ)

لقد تركوا العلم الحق واتبعوا الباطل والبهتان وانطلقوا يدعون أن السحر هو العلم الذي تركه سليمان وهو وهمٌ روجه الشياطين منهم بين الناس ليتعلموه زاعمين أن هذا هو الطريق الذي تفوق به سليمان وسخر به الريح والجان.

ومن المعروف أن سليمان لم يكن ما ناله من الله هو السحر والوهم بل هو العلم فلقد أوتي علماً وفضلاً من ربه يفهم به منطق الطير والحيوان ويسمع النمل في أعماق الوديان، حتى لما أوتي بعرش ملكة سبأ لم يؤت به إلا بالعلم.

(قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنْ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ)

فسليمان ما ادعى قدرته للتدبير ولا افتخر بأنه يشارك الله القدير في التأثير. بل قال: (هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ) فهو ما ادعى ولا كذب ولا كفر ولا سحر بل اعترف بفضل ربه وشكر.

فكيف يدعي هؤلاء أنهم على علمه يمضون ولطريقه يتلون؟ كلا فهم للسحر الباطل يمارسون، وبالله يكفرون ويشركون، ويخدعون الناس بأنهم مؤثرون قادرون، وهذا هو الكفر والضلال المبين والجهل المهين.

(وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ) وعلى هذا الفهم للآية يتضح لنا أن المراد بكلمة ملك سليمان هو علم سليمان لأننا قد عرفنا أنه قد أوتي علماً وفضلاً من ربه وأوتي ملكاً لا ينبغي لأحدٍ من بعده.

فهؤلاء الكفرة زعموا أنهم على علمه يمضون، وهم كاذبون كافرون، مدعون المشاركة لله فيما يعملون.

ثم نمضي في الآية لنجد أنهم مع ذلك اتبعوا شيئاً آخر من العمل الضار، والسلوك الضال، ما هو؟

إنه (وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ)

إن لكلمة الملكين قراءتين هي بفتح اللام وبكسر اللام والأخيرة هي قراءة الحسن وهي قراءة مشهورة وصحيحة.

فماذا تعني كلمة الملكين؟

إنها لا تعني إلا شيئاً واحداً هو أنهما عالمين ولهذا جاء بعد ذلك قوله:

(وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ) إلى آخر الآية.

فلديهما علم يغري الناس وقد أنزل عليهما علم من الله ليكونا فتنة للناس من اقترب منها كفر، ولكن بني إسرائيل فتنوا ورضوا بالكفر، واطمأنوا بالفتنة (فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنْ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ) [البقرة:102].

إن الرجلين ليسا ملكين نزلا من السماء كما يقال وإلا لم يقل الله (وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ)

بل هما رجلان عالمان أنزل الله عليهما علماً يؤثر في الناس من تعلمه مؤمناً انتفع به ومن تعلمه فاجراً ضر نفسه وأضر بالناس.

وهذا ما اختاره بنو إسرائيل مع علمهم بأنه كفرٌ وضلالٌ ولكنهم نبذوا كتاب الله ومن هذا حاله فلا يبالي باتخاذ كل الأعمال الباطلة وسيلةً لكسب الحياة العاجلة لأن نفسه جاهلة (وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ)

فلو كانوا يعلمون العلم الحق لما اختاروا السحر ولما باعوا أنفسهم بثمن بخس هو متاع الدنيا القليل ولكنهم لا يعلمون.

ولكي نؤكد أن العلم ملك وأن الملك علم ناله عباد الله وأوتيه آل إبراهيم ننتقل بكم من سورة البقرة إلى المائدة فسنجد على المائدة طعاماً سهل الهضم في هذا الموضوع نافع الأثر في تأكيد المعنى المقصود.

لنقرأ معاً الآية 20 من السورة:

(وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنْ الْعَالَمِينَ) [المائدة:20].

إن هذا الخطاب من موسى لقومه بعد خروجهم من مصر ولهذا يقول بعدها (يَاقَوْمِ ادْخُلُوا الآرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ) [المائدة:21].

إذن فالخطاب لهم وهم في الصحراء وهم لم يستقروا في أرض ولم يهبطوا مدينة أو مصراً ليؤسسوا ما نسميه (ملكاً) أو دولة بل لا يزالون مهاجرين مسافرين.

ولكنا مع ذلك نسمع موسى عليه السلام يقول لهم في الآية الأولى (اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا).

فماذا تعني كلمة (ملوكاً)؟ وحالهم كما عرفنا وكما تدل الآية أنها لا تعني إلا العلم أي أن الله أنعم عليهم بالدين وأنعم عليهم بأن جعلهم أبناء الأنبياء يوسف وإخوته وآبائهم يعقوب وإسحاق وإبراهيم عليهم السلام.

وإذن فهم ورثوا الملك أي العلم من هؤلاء الملوك أي العلماء ومن المعروف أنهم جميعاً قد أوتوا العلم من ربهم واختصهم الله بأن جعل في ذرية إبراهيم النبوة والكتاب فلا غرو أن يكون بنو إسرائيل في عصر موسى وارثين بعض هذا العلم والنبوة من آبائهم الذين أوتوا الملك فهم ملوك فعلاً لأنهم علماء وكيف لا والعلم الذي لديهم يفوق علم الناس الذين لا يعلمون شيئاً إلا ظاهراً من الحياة الدنيا (وَهُمْ عَنْ الآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ) وبهذا يختم الآية بقوله:

وهكذا ننال المراد في المائدة هنيئاً مريئاً ونقطف المعنى واضحاً سهلاً ونسلم من المتاهات التي تاه فيها المفسرون حول معنى الكلمة في الآية، واحتاروا فيا حيرة خرجوا معها بدون معنى ولا مراد واحتاروا في كل آية وردت فيها هذه الكلمة.

إن التفسير الذي رجحناه للكلمة بالتأمل والإمعان هو الذي يتفق مع سياق القرآن فالله لا يمتن على عباده الصالحين إلا بالعلم وهو الملك الحقيقي الذي يعتز به ويسمو به الإنسان.

وقد تتساءلون كيف أتيت بهذا المعنى للكلمة؟

إني لم أجزم بهذا المعنى للكلمة إلا بعد تأمل وإمعان في كلما وردت فيه الكلمة من آيات القرآن.

ثم إن الباحث المدقق في اللغة وفي القرآن سيجد أن القرآن يستعمل الكلمات في الآيات بحسب مدلولها اللغوي الأصلي لا بحسب مدلولها العرفي المتداول.

فالناس مثلاً قد تعارفوا أن السكر ملازم لشرب الخمر وأن كلمة سكارى تعني متأثرين بالخمر، لكن المتأمل في أصل اللغة يجد أن الكلمة تعني الإغلاق والحجب والحيلولة بين شيء وشيء فالتسكير هو الحجب والحيلولة بينهم.

ولهذا جاء (إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا) أي حجب بينها وبين الرؤية الحقيقية أو حيل بينها وبين الرؤية السليمة وعلى هذا وردت كلمة سكارى في آية النساء.

(يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى) [النساء:43].

أي لا تقربوها وعقولكم محجوبة عن الوعي بمشاغل الحياة والوسواس في أمر المعاش والناس.

بل استحضروا عقولكم وأذهانكم في الصلاة وكفوا عنها كل حاجب ومانع عن الحضور والخشوع، ويحول بينكم وبين وعي ما تقولون.

ولهذا جاء بعدها ما يكون معللاً للنهي ومبرراً له، وهو قوله تعالى: (حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ)

فالكلمة قد استعملت في معناها اللغوي الأصلي لا العرفي.

وعليها نقيس كل الكلمات في القرآن، ومنها كلمة الملك بضم الميم.

فلا شك أن المراد الأصلي لها في اللغة هو العلم والمعرفة فالذي يعلم يسمى ملكاً بكسر اللام.

ولما كان من يتولى أمر الناس والحكم بينهم والزعامة فيهم لا بد أن يتوفر فيه نوع من العلم والمعرفة ونوع من التميز عمن سواه في العلم في أي نوع من أنواع العلم الذي يحتاجه أي مجتمع بحسب حاجته.

أقول لما كان من يتولى ذلك لا بد أن يتوفر فيه نوع من العلم أطلق الناس عليه اسم ملك بكسر اللام ويقال: نال فلان الملك بضم الميم. أي: أصبح زعيماً أو حاكماً في أي مكان.

 وهكذا تعارف الناس على أن الملك هو السلطة والزعامة وأن الملك هو الزعيم والسلطان وأصبحت الكلمة حقيقة فيه فأصبحت الحقيقة العرفية شائعة ومعروفة وتغلبت على الكلمة الأصلية أو بالأصح تغلبت الحقيقة العرفية على الحقيقة اللغوية الأصلية، لكن القرآن أعادها إلى الأصل.

وقد وردت كلمات في القرآن في سورة يوسف استخدمت هناك باعتبار الحقيقة العرفية جرياً مع عرف الناس ولأن الموضوع يفسر في هذا الاستعمال المتعارف عليه ليتضح البيان، فقد وردت كلمات في السورة بهذا المعنى المتعارف مثل:

(وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ)(وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ)(نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ)(فِي دِينِ الْمَلِكِ) وسواها ذلك لأن السياق بغرض استعمالها ولأن هذا هو الإسم الذي يطلق على حاكم مصر في ذلك الزمان كما عليه تعارف الناس قبله وبعده.

لكن الكلمة تعود إلى معناها الأصلي وإلى الحقيقة اللغوية في نهاية السورة حيث قال يوسف: (رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنْ الْمُلْكِ)

إذن إنما استعملت كلمة (ملك) بكر اللام جرياً مع العرف لكن الله عاد بها إلى أصلها الحقيقي واللغوي وهو العلم لتيضح لكم الفرق بين الأصل والعرف وبين المعنى الحقيقي والمعنى العرفي.

وعلى هذا أقول لكم فهل تظنون أن ما ناله يوسف من التمكين في الأرض والخزائن هو الملك الذي أراده يوسف في قوله (قد آتيتني من الملك) إنما الملك الذي أوتيه يوسف وأراده إنما هو العلم وبه استطاع أن يتمكن في الأرض، وبه تأهل لهذا العمل الهام، ألا تذكروا أن مسيرته مع العلم برر هذا الطلب بقوله (إني حفيظ عليم) فهو العلم الذي أهله للعمل ومكنه في الأرض وبوأه منها حيث يشاء وعلى هذا فالملك هو العلم لا سواه وهو الذي أراده يوسف وبهذا المعنى نفهم قول يوسف عليه السلام في آخر السورة وقد جمعه الله العليم الحكيم بأبويه وإخوته وتحقق له تعبير رؤيا طفولته، فماذا قال؟

لنقرأ معاً الآيات:

(وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَاأَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَاي مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنْ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنْ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ) [يوسف:100].

نعم إن ربه هو العليم وأن ربه هو الحكيم.

وفي هذا العلم الرباني والحكمة الإلهية أوتي يوسف وأنعم الله عليه نعمته وعلى آل يعقوب معه فكانوا يعلمون من علم الله ما لا يعلمه الناس وعلى هذا الأساس نجد يوسف وهو في هذه الحال السامية والمشاعر الراقية ونعمة الله عليه متوالية؛ يتجه إلى ربه بنفس خاشعة راضية ويعلن اعترافه بما آتاه ربه من العطايا التي لا تحصى لكنه يحدد أهمها وأبرزها وأساسها لكل خير وهو العلم فيقول في خشوع لربه العليم:

(رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنْ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الآحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالآرْضِ أَنْتَ وَلِيِّ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ)

هل تظنون أن كلمة الملك هنا تعني كونه أميناً على خزائن الأرض وكونه متمكناً منها؟

هذا هو الفهم العرفي وهو الفهم السطحي الذي لا يتفق مع جلال عطاء الله ومع عظمة ما أوتيه آل إبراهيم من ملك الله أي من علمه العظيم.

إن المراد هنا وبلا شك هو العلم، فهو يعترف بالعلم الذي أوتيه ويعلن أن كل فضل هو فيه وكلما يراه أمامه من خير يشمله مع أبويه وإخوته إنما هو بالعلم والإيمان والصبر والإحسان وخشية الله والإذعان والتوكل عليه في كل حال وآن، وتلك صفات العلماء لدى الرحمن، (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ) [فاطر:28].

 إن يوسف الصديق الذي صبر على السجن موقناً بربه متوكلاً عليه داعياً إليه والذي رفض الإغراء والإغواء في قصر امرأة العزيز مستعيذاً بربه القوي العزيز.

إن هذا الصديق لا يمكن أن يفخر بالمتاع الدنيوي والسلطان، إن هذا الصديق العليم لا يمكن أن يفخر بالسلطة، ولا أن يعتبر مقاليد الولاية في الأرض مقاماً يحرص عليه ويزهو به.

كلا بل حرصه على أن يتوفاه مسلماً ويلحقه بالصالحين.

ومن كان هذا حاله، فإنما الملك لديه هو العلم وهذا هو ما يفخر به ويعتز ويستأنس به ويحرص عليه منذ بداية حياته حتى اليوم، فها هو أبوه يقول له بعد أن عرض عليه رؤياه في طفولته أو في بداية فتوته.

(وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الآحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) [يوسف:6].

فالعلم والحكمة ميراث من آبائه له ولكل آل يعقوب معه ولهذا فنعمة الله سابقة عليه كما هي على آبائه وعلى آله معه، ونحن نعرف عن آل إبراهيم في سورة النساء أنهم قد أوتوا ملكاً عظيماً وها هو الملك العظيم يظهر اليوم على يوسف الصديق من ربه العليم الحكيم لأنه من آل إبراهيم فليس بينه وبين إبراهيم إلا يعقوب وإسحاق فهو الحفيد الأقرب لإبراهيم والوريث الأسبق لهذا الملك العظيم وبهذا العطاء الكريم يبشره أبوه يعقوب الذي يصفه الله بقوله (وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِمَا عَلَّمْنَاهُ)

ولقد صدق ما بشره به أبوه وكان الله معه يرعاه ويكرمه ويعطي.

 فها نحن نجده في دار الذي اشتراه من مصر وقد أصبح فتى يتفيأ ظل رحمة الله وينمو في عطاه، (وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ) [يوسف:22].

فالعلم معه حيث حل والحكمة معه في كل حال بل وبرهان ربه يسكن في قلبه.

وبهذا العلم والبرهان يقاوم الإغواء والإغراء ويرد مراودة التي أكرمت مثواه ويستعيذ بربه الذي أحسن مثواه.

وهكذا ينجو من الهم بها ويعلو على فتنة إغرائها بعون ربه (كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ) إنه عند ربه عبد مخلص قد اصطفاه ربه للإخلاص وللإحسان، ولهذا فإنه يؤثر وحشة السجن وقسوة السجان على ما تدعوه إليه امرأة العزيز مع النسوان، ويدعو ربه أن يصرف عنه كيدهن فهو الحامي والمستعان، (فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ)

نعم إنه هو السميع العليم؛ ألا تلاحظون هذه الصفة من صفات الله تلازم يوسف في كل حال فلقد استجاب السميع العليم لعبده الذي يطيع ويسمع ويعمل بما علمه ربه ويخضع.

وبالعلم يدخل يوسف السجن باطمئنان (وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ)

وتستمر إقامته في السجن محسنًا، ويعيش فيه بالعلم مطمئناً، فإذا السجناء يلوذون به في كل أمورهم ويكشفون عليه أسرارهم ويضعون أمامه أحلامهم وآمالهم وخواطرهم مطمئنين إلى علمه وإحسانه، واثقين من حسن خلقه وإيمانه.

فلقد لاحظوا عليه سلوكاً لا يتوفر في سواه، وسكينة تدل على علمه وتقواه، تجدب إليه من يراه، وتدعو لمحبته واستفتاه.

ها هما الفتيان يحتاجان إليه في موضوع هام يشغلهما في المنام، ويعرضانه عليه مطمئنين إلى أن الجواب لديه ، ولهذا قالا: (إِنَّا نَرَاكَ مِنْ الْمُحْسِنِينَ)

لقد أصبح محط ثقة للفتوى وملجأ اطمئنان لكشف أسرار الرؤيا، والإنباء عما يخفى.

لكن يوسف لا يخفي ما لديه من علم بل يبديه، ولا يكتفي بذلك بل يستغل سؤال الفتيين للفتيا، ويستعرض أمامهما ما لديه من علم وعطاء، لا يقصد بذلك الرياء والخيلاء ولكن يريد بذلك إظهار  نعمة الله عليه ليتمكن من دعوتهما إليه.

ومن هنا ندرك أن ما لديه من علم وحكمة قد عززا في السجن بالنبوة فإذا به يدعو إلى الله على بصيرة.

فالعلم معه رفيق، وهو بربه معتصم بشكل وثيق وإليه يدعو بأسلوب لطيف رفيق.

لنستمع إليه كيف يستعرض ما لديه من ربه قبل أن يفتي الفتيين في الأمر الذي قصداه بسببه:

(قَالَ لا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا) فلقد أصبح في السجن رسولاً نبياً.

ألا تراه قد أصبح يخبر الناس بما كان غيباً خفياً وهو من علم ربه الذي كان به حفياً، فلا يظهر على غيبه أحداً إلا من ارتضى من رسول.

وهكذا نجد يوسف بعد أن يفاجئ الفتيين بهذا الخبر الهام وبهذا العلم العظيم يعيد ذلك إلى ربه الكريم فيقول: (ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي) فهو علم علمه ربه وليس له من سبب إلا توحيده وعدم الشرك به، (إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ)

فهو عبدٌ شاكرٌ موحدٌ ولربه ذاكرٌ عابدٌ، والناس مدعوون لهذا المقام بشكل عام فإن فضل الله متاح لكل من قال ربي الله ثم استقام، ولكن أكثر الناس غافلون عن هذا الطريق الشاكر، جاهلون لهذا المقام العامر، ولهذا فها هو يوسف يدعو الفتيين إلى هذا الطريق المحبوب، ويحثهما عليه بأروع أسلوب فيقول: (يَاصَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمْ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ * مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنْ الْحُكْمُ إِلا لِلَّهِ أَمَرَ أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ) [وسف:40].

فعبادة الله وحده هو العلم الذي يدعو إليه يوسف، وهو شأن كل ذي عقل ولب، ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

وهكذا فإن العلم هو الذي يدعو به يوسف.

والعلم هو الذي أوتيه يوسف.

والعلم هو الذي جعله من المحسنين.

وهو الذي حببه لدى المسجونين.

وجعلهم يستفتونه مطمئنين.

وكما أن هذا العلم الذي أوتيه يوسف سيكون هو السبب فيما هو قادم عليه،

ولنمض معه في السجن والسجناء.

لنجده مرجع العلم والفتيا.

فبعد أن أفتى صاحبي السجن في الرؤيا.

وبعد أن كان يفتي في دائرة صغرى.

إذا بالدائرة تتوسع بإذن الله إلى مجال أوسع ومقام أعلى، ليصبح مرجعاً للفتيا في مصر كلها وفي بلاط الملك ومن معه من الملأ.

فيأذن الله للملك أن يرى،

ماذا يرى؟

إنها رؤيا تتكرر عليه وتتعاود مرات لديه، ولهذا جاء الفعل مضارعاً في قوله تعالى: (وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ يَاأَيُّهَا الْمَلا أَفْتُونِي فِي رُؤْيَاي إِنْ كُنتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ) [يوسف: 43].

إن الفعل المضارع في أرى يفيد التجدد والحدوث كما أن الجملة الإسمية تفيد الاستمرار والثبوت.

فالرؤيا لا تفارق منام الملك بل تلح عليه في البال متباعدة حتى جعلته يبحث عن تعبيرها بشكل ملهوف وملح.

فكن الملأ يروون عليه بما يدعو لليأس والحيرة (قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلامٍ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الآحْلامِ بِعَالِمِينَ) [يوسف:44].

وهنا تأتي إرادة الله ليكون يوسف هو المرجع للفتيا في البلاد كلها،

(وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَاِدَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِي) [يوسف:45]

وتتوالى الأحداث كما في الآيات، وكلها تؤكد على أن يوسف أوتي العلم والحكمة مع النبوة.

فها هو يفتي في تعبير رؤيا الملك بشكل رائع وبما هو أوسع من التعبير للواقع.

بحيث يتجاوز ذلك إلى وضع خطة تطول لمدة خمسة عشر عاماً، وهي خطة علمية متقنة وطريقة اقتصادية محكمة.

فإن حفظ الحبوب في السنابل، وسيلة هامة لحفظ الحبوب من التآكل.

ثم إن تعميم تطبيق ذلك في الأرض المصرية كلها تحتاج إلى خبرة وعدل وحكمة وعلم وأمانة وإلا فلا يمكن أن يثق بها الشعب ويلتزم بها وهذه هي الصفات التي لا تتوافر إلا في يوسف الصديق والمحسن والأمين وكيف لا وهو وحده العالم الذي هو من عباد ربه المخلصين.

ولهذا حرص على البقاء في السجن وقد جاءه الاستدعاء من الملك بواسطة رسول خاص مكلف بإحضاره، (فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ [أي إلى الملك] فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ) [يوسف:50].

وهكذا يستدعي الملك النسوة إلى مقامه ويسألهن عن يوسف وعن حقيقة اتهامه فإذا بهن يقلن: (حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ)

وكيف لا والله يقول عنه قبل ذلك:

(كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ)

وهنا تبرز بطلة القصة ومحور التهمة لتصدع بالحقيقة الهامة:

(الآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدتُّهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنْ الصَّادِقِينَ) [يوسف:51].

يا للعظمة! كيف يشمخ الصدق والإخلاص لله؟ وكيف يتصاغر المكر والكيد بعباد الله؟!

ولهذا يعلن يوسف إنه لم يصر على سؤالهن قبل الخروج إلا ليؤكد للناس أنه لم يخن أمانته في قصر العزيز:

(ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ) [يوسف:52].

ولكنه مع ذلك لا يعيد الفضل لقوته وعزمه، بل يعيده إلى الله، أما نفسه فهي ضعيفة فلولا عون الله لها لتلونت بالسوء كغيرها:

(وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لامَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ) [يوسف:53].

إن ربه في نفسه فهو به معتصم وهو به يسترحم فكان معه عاصماً راحماً وغافراً عليماً.

وهذا مقام يدعو إلى الإعجاب والذهول والاشتياق لرؤية هذا الرجل النادر المثيل، وإنه لجدير بأن يكون في مقام خاص به وفي مكان يعتمد عليه ويوثق به:

(وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ) [يوسف:54].

نعم هذا هو الذي يجب ويكون مع هذا النوع من الرجال، وهذا هو الذي تدلي إليه الأحداث، وتدل عليه الأعمال، فهو لم يتغير في كل حال، بل ظل متمسكاً بربه ذي الجلال، فأصبح يتصف بأجمل الصفات ويختص بأرقى الخصال، فهو مكين أمين عند الملك مقبول المقال، مصدق في كل حال.

وأمام هذه الثقة المطلقة التي لمسها يوسف الصديق تقدم لتنفيذ الخطة والتطبيق، فليس إلا هو يتحمل ويطيق. أليس هو المكين الأمين والصديق؟‍

لم يطلب العمل ليعلو مكانه والجاه، ولكن ليتحمل مسئولية ما أشار به وأبداه، وليؤدي الواجب فيما سيتولاه، بعلم وحكمة وأمانة كما علمه الله.

نعم إنه لم يطلب المهمة إلا لأنه مؤهل لها ولا يقدر عليها سواه. وهكذا نسمعه يقدم نفسه معتزاً بما آتاه الله:

(قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الآرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ) [يوسف:55].

هل تظنون هذا الطلب كان كالمكافأة على تعبير الرؤيا الملكية؟ هل تظنونه هو المواساة لما عاناه في السجن بلا ذنب ولا خطيئة؟

كلا؛ ليس هذا، بل هو الحكمة والعلم والأمانة الربانية، وهكذا أصبح يوسف رئيساً للوزراء في مصر يتصرف في الغلال ويصون المال، كما رسمه للناس بلا تفريط ولا اختلال، ولكن بعدل وحزم وكمال، كما علمه ذو الجلال.

(وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الآرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ وَلا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ) [يوسف:56].

وهل الدنيا هي المبتغى وهل هي الهدف للعلماء أولي التقوى؟

كلا؛ إنما أعمالهم في الدنيا هي السلم والمعراج للدرجات العليا في جنات المأوى.

(وَلاجْرُ الآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ) [يوسف:57].

وبعد فإني أصل بكم إلى نتيجة هامة هي أن صفات المحسنين والذين آمنوا وكانوا يتقون التي وصف الله بها يوسف بالإضافة إلى ما سبقها من صفات العلم والحكمة عبر هذا والاستعراض السريع للآيات.

كلها تؤكد أن هذه الصفات ملازمة للعلم والحكمة التي تفضل الله بها عليه وهي صفات كل العلماء وأولي العلم الذين يخشون الله ولا يخشون أحداً إلا الله ويريدون الآخرة ويسعون لها سعيها وهذا هو ما أوتيه الأنبياء ومن تبعهم من الصالحين وما أوتيه يوسف وآبائه الأنبياء إبراهيم وإسحق ويعقوب (أُوْلِي الآيْدِي وَالآبْصَارِ) الموصوفون بقوله تعالى: (إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ) وهي الدار الآخرة والقرار فهم لها على ذكر دائم وعمل دائب ليل نهار ولهذا فهم عند الله كما يقول: (وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنْ الْمُصْطَفَيْنَ الآخْيَارِ) [سورة ص: 45-47].

ونعم المقام العالي للعلماء.

وهم هم الذين أوتوا ملكاً عظيماً كما جاء في سورة النساء وعرضناه قبل هذا ومن خلال هذا العرض الواضح للآيات فالملك الذي أراده يوسف عليه السلام في قوله (رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنْ الْمُلْكِ) إنما هو العلم لا سواه لأن الأنبياء هم الذين أوتوا العلم وهم الذين لا يفخرون بالمال والسلطان ولا بالجاه والصولجان وإنما يذعنون لله الذي علمهم وبما أوتوا منه يعملون بما أمرهم ولا يهمهم إلا رضاه عنهم، ولأجله يعملون في كل حال وحين واثقين مطمئنين وعلى ربهم يتوكلون، وهذه هي ميزة العلماء في كل زمان ومكان وهي صفات عباد الرحمن.

هل أستطيع بعد هذا أن أحصل على موافقتكم معي على أن الملك بضم الميم في هذه الآية وسواها هو العلم؟

لعل بعضكم لا يزال في نفسه شيء ما عن معنى الكلمة وسيقول ها هو يوسف يقول بعد ذلك (وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الآحَادِيثِ) فعطف هذه الجملة على الأولى تعني المغايرة بين الأولى والثانية وعليه فالأولى لا يراد بها العلم وإنما هو الملك المتعارف عليه.

لأن تعليم تأويل الأحاديث علم فكيف يعطف الشيء على نفسه؟ هكذا سيقول القائل في احتجاجه.

لكني أقول له أن هذا دليل لي لا دليل علي.

فهذا العطف يؤكد أن الأولى وهي (رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنْ الْمُلْكِ) لا تقصد إلا العلم ولكن العلم بشكل عام.

علم الدنيا وعلم الآخرة، علم النبوة وعلم الحياة الصالحة.

فهو قد أوتي من هذا العلم كما أوتي سواه ورغم ذلك فهو لم يؤت كل شيء ولكن ما شاء له الله منه ولهذا قال: (من الملك) ولم يقل: (قد آتيتني الملك) فهو بعض من علم الله (وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلا بِمَا شَاءَ) وهذا فضل يؤتاه من شاء الله وأرضاه.

ولقد أوتيه كل الأنبياء لكن يوسف اختص بشيءٍ هامٍ وهو بعض من علم الله ذلك هو قوله

(وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الآحَادِيثِ) فهو علم تميز به عن سواه وله خصوصية لديه وعليه في الحياة ولهذا فقد عطفه في الآية من باب عطف الخاص على العام للاهتمام بشأنه وتميزه عن غيره وحسن أثره فهو لا يعدد هنا إلا نعم الله الكبرى التي فاز بها في الدنيا وسيفوز بها في الأخرى وهي العلم والحكمة وتأويل الأحاديث والرؤيا.

ولهذا لم يستخدمها إلا فيما ينفع الناس أفراداً وجماعات وفي كل الظروف والحالات ليرجو بها رضاء الله والفوز بالجنات.

ولتأكيد أن المفهوم السليم للفوز العظيم لديه هو الآخرة وأن الإيمان بالله ربه واليقين بالآخرة هو مبتغاه فإنه يختم توسله إلى ربه بقوله في الآية:

(تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ)

ومن هذا هو منتهى أمله ورجواه فإن الملك عنده ليس السلطان والجاه بل هو العلم لا سواه وهو الذي به يكون الله ربه ومولاه.

أليس هو الذي يصف ربه بقوله منادياً له:

(فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالآرْضِ)

وبهذا الوصف العظيم لربه يعلن استسلامه له وركونه عليه وإذعانه لولايته فيقول:

(أَنْتَ وَلِيِّ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ)

فهو النصير والمجير وهو الملاذ وإليه المصير وهو المعين القوي الغني لعبده الضعيف الفقير، وأن يوسف بأن يكون الله وليه لجدير، فهذا هو الملك الكبير، (أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ * لَهُمْ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ لا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) [يونس: 62-64].

ولا شك أن يوسف بأن يكون من أولياء الله لجدير، وذلك هو الفوز العظيم الذي حرص عليه في دعائه فتمكينه في الأرض وتصرفه في خزائنها وغلالها وتصريف أمورها حيث يشاء لا يعني له شيئاً سوى ابتغاء وجه ربه الأعلى، والفوز برضاه في الأخرى، ولسوف يرضى.

أليس هذا هو ميزان العلم والعلماء؟ لا من صفات الملوك والأثرياء الذين عهدناهم يرضون بالحياة الدنيا ويطمئنون بها.

بلى بلى، وعلى هذا فالملك الذي أعلنه يوسف واعترف لله بأنه قد أوتي منه إنما هو العلم الذي عرفناه معه من بداية الرحلة ومستهل القصة حتى نهايتها الكريمة.

هل بعد هذا البيان أستطيع أن أحصل منكم على الموافقة على أن الملك بضم الميم هو العلم والعرفان لا بالجاه والسلطان؟

وهذا هو الملك العظيم الذي ناله آل إبراهيم من ربهم العليم الحكيم وهو فضل يختص به الله كل عبد جاءه بقلب سليم.

قد يقول قائل:

قد نسلم لك أن الملك الذي أوتيه إبراهيم ويوسف هو العلم كما عرضت ذلك علينا.

لكنا نجد السورة هنا سورة يوسف تذكر (الملِك) وتعني به صاحب الأمر والسلطة في مصر، وهو الذي استوزر يوسف وجعله على خزائن الأرض فيوسف يقصد بالمُلك هذا المنصب الذي تولاه.

ولكني أقول: إن كلمة ملك من كل السورة استعملت في معناها المتعارف عليه فهي حقيقة عرفية وهذا معمول به في اللغة العربية، ثم كان يوسف هنا لا يقصد إلا العلم ولهذا قال: (من الملك) مع أنه قد أوتي بالمفهوم العرفي كل الملك فهو المتصرف في أمور مصر كلها يتبوأ من أرضها حيث يشاء ويدبر الحكم كما رسم ابتغى.

لا يعترض عليه بل يعان ولا يصد بل يجاب.

أليس هو قد أصبح عند الملك وعند أهل مصر موصوفاً بأنه الصديق والمكين والأمين ثم هو عندهم مستحقاً للملك وهو كما وصف نفسه حفيظ عليم، فهل بعد هذا يعطى من السلطات بعضها ويحجب عنه أهمها وهو قد تكفل بحفظ الأرض والناس في الشدة والبلاء وبأن يجعل السنوات العجاف سنوات رخاء بالعدل والوفاء.

وهل يستطيع أن يقوم بهذه المهمة العظمى من حجب عنه البعض من الأمور وأطلق في بعضها؟ كلا، بل لا بد أن تطلق يده في كل شأن ومكان وكما شاء وحيث يشاء.

أليس هو لنفس الملك مستخلصاً فهو قائم مقام نفس الملك في كل الأمور والأشياء بلا استثناء.

إذن فكلمة المُلك لا تعني إلا أنه نال البعض من علم الله ولكنه كثير كثير في مقام الله. فله الحمد على ما أعطى وله المنة أبدا. وهذا ما أراده يوسف واعترف به لربه علنا وشكرا وحمداً.

وبعد: فقد يعترض ثالث ويقول: قد نسلم بهذا في إبراهيم ويوسف فالملك هو العلم في شأنهما ولكن لا نسلم في شأن داوود وسليمان وهما من ذرية إبراهيم ومن آل إبراهيم المتأخرين فداوود كان ملكاً فعلا بالمفهوم المتعارف عليه عرفا وكذلك سليمان كان ملكاً مشهوراً وبالمعنى المتعارف عليه، وهو الحكم والسلطان والتصرف والصولجان، ألم يكن متصرفاً في الإنس والجان والريح والطير والحيوان؟.

فكيف تفعل في هذا الشأن المعروف للناس في كل زمان، وبالآيات في القرآن، إن ما أوردته في عرضك من الحجج والبرهان، ينقض بداوود وسليمان.

لكني لا أتعجل ولا أرتبك ولا أُفاجأ بهذا بل أواصل المشوار واثقاً مما أقول، وأؤيده بالحجة والدليل. فهيا معي إلى ملك سليمان ووالده داوود الجليل، فماذا نجد في هذا الملك من المعاني الراجحة، وماذا نلمسه من العلامات الواضحة.

سنجد الكثير المنير، ونلمس القوي المثير، ولكن بالتأمل والإمعان، والصبر على البحث في آيات القرآن، فأمعنوا وتأملوا معي، واصبروا وابحثوا لكي نفقه الحديث ونعي.

ولنبدأ من حيث يسَّر الله وأراد، وسنجد بعونه المقصد والمراد، فهيا معنا وليكن الحق هو الذي نقصد ونرتاد، ولنطهر قلوبنا من المراء والعناد، ولنتحر السداد، ولنذعن للحق إذا اتضح للنداد، فذلك هو الرشاد، ولنسر معاً على هدى الله فهو خير هاد، ولتكن البداية والمنطلق من سورة (ص)، فإنها في انتظار من تأمل وتدبر، وهي التي لديها الذكرى لمن تذكر، أليست تبدأ بقوله تعالى: (ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ) وتنتهي بقوله تعالى: (إِنْ هُوَ إِلا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ * وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ) [ص: 87-88] فهي سورة تشع بالذكر والعلم، وبأخبار أولي الذكر والعلم

اترك تعليقك

Post Navigation

%d مدونون معجبون بهذه: