وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ

أسألكم! هل يتحدث الله في سورة القدر عن القرآن أم عن الليلة؟ إنه يتحدث عن القرآن فهو يقول (إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ) أليس الضمير في أنزلناه إلى القرآن؟ بلى، ثم ماذا؟ ثم يتساءل عن دراية الإنسان بقدر هذه الليلة فيقول (وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ) وهو تساؤل يفيد التعظيم والتشويق إلى الخبر الذي يحمله إلينا عنها، ثم يأتي الخبر لكل من تدبر، فاستمعوا (لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ) لعل هذا يكفي ولكن هناك المزيد من الصفات التي ترفع قدرها وتعلي، فما هي

(تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ * سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ)

هل عرفتم الآن قدر هذه الليلة؟ وهل أدركتم سرها؟ وهل علمتم أمرها؟ إن الآيات واضحة لمن تدبرها.

ولكن هل يعني هذا أن نقف عند الليلة وننسى المحتوى الذي حوت والفحوى الذي إليه أشارت!! فما هما؟

إنها حوت إنزال القرآن، فنالت بالذي حوت تلك الصفات والسمات العالية..

لكن ما هي الفحوى من الاشارة إلى الليلة ،، والحديث عن إنزال القرءان؟

هنا يكمن السر الذي لم يدركه الناس ولم يعوا، وهنا يقع المعنى العميق الذي غفل عنه المسلمون وفي عمقه وقعوا ولم يرتفعوا.

إن هذه الغفلة أنستهم عظمة المحتوى وفضله وسمو الفحوى لمن عقله.

إن فحوى السورة يؤكد لنا أن هذه الليلة إذا كانت بهذه الصفات العليات والسمات الساميات فإن ما حوته من الإنزال فيها لا بد أن يكون محتوياً على تلك السمات ومتسماً بتلك الصفات إن لم يكن أكثر وأوفر حظاً.

وكيف لا يكون كذلك وهو المحتوى والليلة الوعاء؟ ولا شك أن المحتوى لا بد أن يكون أغلى وأثمن وأنفع من الوعاء الذي حواه وإلا فإني أسألكم سؤالاً بديهياً، هل يمكن أن تضع صدفاً في حقيبة من ذهب أو حتى من فضة؟ كلا، ولكن قد تضع ذهباً في حقيبة من صدف أو خزف أو حتى فضة، لكن المحتوى لا بد أن يكون أغلى وأشرف.

وإذن فإذا كانت الليلة لها تلك الصفات وقد حوت هذا التنزيل ؛ فإن المنـزَّل فيها لا بد أن يتصف بما اتصفت به بلا شك.

فهي مباركة وهو مبارك وهي سلام وهو سلام، وهي تنزل فيها الملائكة وهو تنزل به الملائكة وتنزل عل من تلاه. وهي خير من ألف شهر، وهو كذلك على مدى الدهر.

لكن الغفلة قد أخذت المسلمين والتصور قد ران على المرتلين فاهتموا بالليلة ونسو الآيات المنزلة واهتموا بالوعاء ونسو المحتوى فإذا بهم ينتظرون هذه الليلة طيلة العام في كل عام، فإذا أهلت أو ظنوا أنها قد حلت أقاموا الصلوات ورفعوا الدعوات وأكثروا الأمنيات فإذا ذهبت الليلة ودعوها ورقدوا وظنوا أنهم قد ربحوا هذا على فرض أنهم قد عرفوا تحديد موعدها مع العلم أنهم مختلفون فيه فهي تدور بين الليالي العشر الآخرة بدون تحديد.

لا سيما إذا ما عرفنا أن بعض الأقطار تبدأ الشهر قبل أو بعد سواها.

وهذا يؤدي إلى اختلاف ليالي القدر فالليلة السابعة والعشرين في قطر هي الثامنة والعشرين في آخر أو السادسة وإذن فأين هي الحقيقة لموعد الليلة وأي التحديد أصح لها؟ لا ندري.

وهكذا يصبح إدراكها لأحد الأقطار مشكوكاً فيه إن لم يكن للجميع.

وعليه فما هو السبيل في إدراكها للجميع بدون فوات؟ إن السورة توضح ذلك وتحدده وتجعل إدراكها سهلاً وممكناً باستمرار.

قد تسألون كيف؟

والجواب يأتي في سؤال آخر أوجهه إليكم هو

هل تدركون ماذا يعني إنزال القرآن في ليلة القدر، هذه الليلة الموصوفة بأنها خير من ألف شهر وبأنها ليلة مباركة وغير ذلك من الصفات المعروفة؟

إن ذلك يعني أن صفاتها ليست مؤقتة بها وليست موقوفة عليها ولكنها دائمة الوجود ميسورة الظهور في كل يوم وحين في هذا القرآن المبين الذي أنزله رب العالمين.

فكأن الله يقول

هل تريدون أن تكون حياتكم كلها ليلة قدر؟ هل تريدون أن تكون أيامكم كلها موصوفة بصفات ليلة القدر؟ هل تريدون أن تكون أعمالكم حكيمة مباركة وعلاقاتكم سلاماً تنزل عليها الملائكة؟

هل تريدون أن تكون عيشتكم واسعة هنية بصورة سوية؟

هل تريدون ما لا يحلم به خيال من الجمال؟

هل تريدون ما تعجز عنه العقول من الكمال؟

هل تريدون حكمة الله معكم ، وعلمه ونوره بين أيديكم؟

هل؟ هل؟ هل؟ وإلى ما لا نهاية من الأحلام التي تتحقق والآمال التي تنال والسعادة والاطمئنان والعزة والأمان.

هل تريدون الفلاح في الدنيا والأخرى والفوز برضى الله؟ نعم نعم يا رب.

إذن عليكم بالقرآن إنه الحياة لكم من الموت، ونور يسعى بين أيديكم وبأيمانكم في ظلمات الجهل، (أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) [الأنعام123].

هذا أيها الأعزاء هو معنى (إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ. . الخ السورة).

إنه إخبار لنا أن صفات ليلة القدر دائمة البقاء ظاهرة الأثر لمن عمل بالقرآن وتذكر والتزم به وتدبر.

(كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الألْبَابِ) [ص29].

فهو للجمال الباب وهو للكمال اللباب وهو للخير والفلاح طريق الصواب، وهو النور لأولي الألباب.

أما من كذب واستهزأ فليس له إلا الخسار والعذاب ولا يزيده إلا طغياناً وكفراً وتباب.

إنه علم من الله علام الغيوب، ونور من الله نور السماوات والأرض وحكمة من الله العزيز الحكيم، إنه باختصار يشع بأجمل وأسمى آيات الله الحسنى ويكسو الناس وحياة الناس بمعانيها العظمى.

فهل لكم بعد هذا أيها الناس من سبيل سواه ؟ وهل لديكم أيها الناس هدى غير هداه؟ كلا كلا فإنما هو العمى والأهواء.

(قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنْ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنْ الْمُشْرِكِينَ) [يوسف108].

(قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنْ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنْ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنْ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ) [البقرة120].

(مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا) [الكهف17].

وبعد فتعالوا معي نتأمل كيف أن صفات ليلة القدر قد وصف بها القرآن في كثير من الآيات البينات ولن أستقصي ولكني سأضرب أمثلة فقط أليست ليلة مباركة؟ والقرآن مبارك؟ واقرأوا الآية السابقة من سورة (ص) أليس يفرق فيها كل أمر حكيم؟ (يس * وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ) (تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ) أليس تنزل فيها الملائكة والروح؟ اقرأوا صفات من يعمل بالقرآن (إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمْ الْمَلائِكَةُ أَلا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ).

أليست من كل أمر سلام؟ اقرأوا قوله تعالى

(قَدْ جَاءَكُمْ مِنْ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ(15)يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنْ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنْ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) [المائدة 15و16].

أليست خير من ألف شهر في العطاء والبركات؟ اقرأوا قوله تعالى

(وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنْ السَّمَاءِ وَالأرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْبِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) [الأعراف94].

(إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا) [الإسراء9].

(وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا * مَاكِثِيْنَ فِيْهِ أبَداً)[الكهف 2و3]

ماذا تظنون بقوله تعالى (أَجْرًا كَبِيرًا) إنه كبير من الله الكبير الغني الذي عنده خزائن كل شيء وما عنده باق لا يفنى.

وماذا تظنون بقوله (أجراً حسناً)؟ إنه الحسن الذي لا يساويه حسن وليس سواه حسن ولا يأتي إلا من الله المحسن البديع الغني الوسيع ومع ذلك فهذا الأجر الحسن يحيط بكم ويبقى نزلاً معداً لمكثكم أبداً أبداً إلا أنه العطاء الذي لا يقدر عليه أحد أبداً إلا الله.

هذه مجرد مقارنة سريعة لتعرفوا أن سورة القدر ليس المراد بها الاهتمام بالليلة بل بما نزل فيها وليس المراد التماس الليلة ولكن التماس ما نزل فيها. ثم ولماذا ننتظر الليلة وهي لا تأتي إلا مرة في العام؟

وبين أيدينا ما احتوت عليه مستمر العطاء على الدوام.

ولماذا نحضر نفوسنا في ليلة وبين أيدينا بركات وخيرات تملأ الدهر كله ولماذا نقنع بليلة وأمامنا كل الأيام ولياليها لتكون كلها مباركة وتنزل فيها الملائكة ونبسم بالخير والسلام ويطلع فيها الفجر البسام الذي يجلو كل ظلام والجمال الذي يمحو كل قبح وآلام.

إن القرآن هو الباب لمن أراد ذلك العطاء المنهمر.

وهو السبيل لمن يروم ذلك النور المستمر، وهو الهادي إلى السلام والخير المنتشر والنمو الكامل والأمان الشامل.

إن عملاً واحداً بهدى القرآن يساوي ألف عمل لسواه بل يفوق. وإن يوماً واحداً في ظل العمل بالقرآن يساوي بل يفوق ألف شهر بل هو خير من ألفي شهر، ولتعلموا أن كلمة خير تعني وتشمل كل جوانب الجمال والكمال فكيف لو كان العمر كله؟ والزمن كله يمضى على هدى القرآن إذاً لتضاعفت من الله البركات والخيرات والمنجزات والإبداعات ليصبح ما نناله في ليلة وضحاها يفوق ما نحلم به على مدى القرون مهما طال مداها ويصير ما ننجزه في يوم واحد حافل يفوق ما نحاوله في قرون بلا طائل، ذلك لأننا في ظل القرآن نمضي على هدى الله ونوره ونسعى بأعينه ووحيه وعونه لكنا مع الجهل والهوى نمضي في ظلمات بعضها فوق بعض (وَمَنْ لَمْ يَجْعَلْ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ)

وكيف لا وهو علم من علم الله علام الغيوب؟ الذي لا يعزب عنه شيء في السماوات والأرض ولا يغيب ولا يعجزه شيء وهو على كل شيء قدير.

اترك تعليقك

Post Navigation

%d مدونون معجبون بهذه: